فخر الدين الرازي
642
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بالإتيان بذلك الخير ، وذلك هو القرآن الذي هو كلام اللّه دون السنة التي يأتي بها الرسول عليه السلام ، وثالثها : أن قوله : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها يفيد أن المأتي به خير من الآية ، والسنة لا تكون خيراً من القرآن ، ورابعها : أنه قال : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ دل على أن الآتي بذلك الخير هو المختص بالقدرة على جميع الخيرات وذلك هو اللّه تعالى . والجواب عن الوجوه الأربعة بأسرها : أن قوله تعالى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً ، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ ، والذي يدل على تحقيق هذا الاحتمال أن هذه الآية صريحة في أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى ، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بهذا الخير لزم الدور وهو باطل ، ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة لأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله عليه الصلاة والسلام : « ألا لا وصية لوارث » وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم . قال الشافعي رضي اللّه عنه : أما الأول : فضعيف لأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية ، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية ، وأما الثاني : / فضعيف أيضاً لأن عمر رضي اللّه عنه روى أن قوله : « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة » كان قرآناً فلعل النسخ إنما وقع به ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه واللّه أعلم . أما قوله تعالى : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فتنبيه للنبي صلى اللّه عليه وسلم وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته ، وأنه لا دافع لما أراد ولا مانع لما اختار . المسألة التاسعة : « 1 » استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق من وجوه ، أحدها : أن كلام اللّه تعالى لو كان قديماً لكان الناسخ والمنسوخ قديمين ، لكن ذلك محال ، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المنسوخ ، والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون قديماً ، وأما المنسوخ فلأنه يجب أن يزول ويرتفع ، وما ثبت زواله استحال قدمه بالاتفاق ، وثانيها : أن الآية دلت على أن بعض القرآن خير من بعض ، وما كان كذلك لا يكون قديماً ، وثالثها : أن قوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يدل على أن المراد أنه تعالى هو القادر على نسخ بعضها والإتيان بشيء آخر بدلًا من الأول ، وما كان داخلًا تحت القدرة وكان فعلًا كان محدثاً ، أجاب الأصحاب عنه : بأن كونه ناسخاً ومنسوخاً إنما هو من عوارض الألفاظ والعبارات واللغات ولا نزاع في حدوثها ، فلم قلتم إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث ؟ قالت المعتزلة : ذلك المعنى الذي هو مدلول العبارات واللغات لا شك أن تعلقه الأول قد زال وحدث له تعلق آخر ، فالتعلق الأول محدث لأنه زال والقديم لا يزول ، والتعلق الثاني حادث لأنه حصل بعد ما لم يكن ، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات ، وما لا ينفك عن هذه التعلقات [ محدث ] وما لا ينفك عن المحدث محدث والكلام الذي تعلقت به يلزم أن يكون محدثاً . أجاب الأصحاب : أن قدرة اللّه كانت في الأزل متعلقة بإيجاد العالم ، فعند دخول العالم في الوجود هل بقي ذلك التعلق أو لم يبق ؟ فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادراً على إيجاد الموجود وهو محال ، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق فيلزمكم حدوث قدرة اللّه على الوجه الذي ذكرتموه ، وكذلك علم اللّه كان متعلقاً بأن العالم سيوجد ، فعند دخول العالم في الوجود إن بقي التعلق الأول كان جهلًا ، وإن لم يبق
--> ( 1 ) هذه المسألة من فروع مسائل النسخ وقد تكلم المؤلف رحمه اللّه على ثمان مسائل منها مرت إلى ص 641 من هذا الجزء .